هل الاعتراف بوجود اللاشعور في الحياة النفسية يكمل عمل الشعور أم يعيقه ؟ – مقالة جدلية
هل الاعتراف بوجود اللاشعور في الحياة النفسية
يكمل عمل الشعور أم يعيقه ؟الطريقة : جدلية
هل الاعتراف بوجود اللاشعور في الحياة النفسية
يكمل عمل الشعور أم يعيقه ؟الطريقة : جدلية
من النفس حقيقة شعورية وأن كل نشاط نفسي هو شعوري بالضرورة، وبين مدرسة التحليل
النفسي التي ترفض هذه المطابقة بين النفس والشعور، وترى أن الشعور هو مجرد جزء
من النشاط النفسي، وكشفت عن وجود جانب خفي لاشعوري يعد مصدرا المختلف النشاطات
النفسية مما يعني الاعتراف بوجود اللاشعور إلى جانب الشعور في التعبير عن الحياة
النفسية، وهنا نتساءل: هل الاعتراف بوجود اللاشعور في الحياة النفسية يعد مكملا
لعمل الشعور أم يعيقه ويقوض سلطته؟
عرض الأطروحة (الموقف الأول):
مدرسة التحليل النفسي وعلى رأسها “فرويد” أن اللاشعور يتولد أساسا من
عمليات الكبت المختلفة، وتتشكل مساحته ومادته من الاندفاعات والرغبات والميول
الغريزية اللاواعية، والتي تحقق ذاتها وتبسط سلطتها في الأحلام الليلية والأمراض
النفسية والعقلية، ومن هنا تصير هذه المكبوتات اللاواعية تمارس ضغطها وتأثيرها في
الحياة النفسية، والتحكم في كثير من الوقائع والحوادث النفسية والسلوكية التي
يعيشها الإنسان، ولهذا وجب الاعتراف بوجود اللاشعور كطرف أساسي في الحياة النفسية
إلى جانب الشعور، حتى نفهم حقيقتها، لأن أي إنكار لوجود اللاشعور وعدم الاعتراف
به، سوف يبقي جزء كبيرا من أحوالنا النفسية وانفعالاتنا وسلوكاتنا دون تفسير
و مجهولة الأسباب، وهذا مرفوض من الناحية العلمية التي لا تقبل أي ظاهرة
إلا إذا
كان هناك سبب يفسر حدوثها، كما أن واقع حياتنا وتحاربنا تواجهنا دائما بأفكار
وانفعالات ووقائع تأتينا دون أن نعرف مصدرها، أو نعي سببها، ولا كيف تم الإعداد
لها، وهذا ما يؤكد حقيقة اللاشعور إلى جانب الشعور في فهم و تفسير الحياة النفسية،
يقول “فرويد”: “إن تقسيم الحياة النفسية إلى ما هو شعوري، وما هو
لاشعوري، هو الفرض الأساسي الذي يقوم عليه التحليل النفسي”. من جهة
أخرى فاللاشعور يكمل الشعور ويعطي بعدا إيجابيا في الذات من حيث أن اللاشعور يعد
طريقا علاجيا لكثير من الأمراض والعقد النفسية والعصابية المؤثرة في الذات
وسلوكها، فقد كشف التحليل النفسي بتجاربه أن هناك علاقة وطيدة قائمة بين الأمراض
العصبية والنشاطات اللاشعورية مثل الهستيريا، الصرع، المخاوف العصابية، فقدان
الحس…. وهي تعبر عن نفسها بمظاهر لاشعورية متعددة كالهفوات، الأحلام، النسيان،
فلتان اللسان، زلات القلم، القراءة الخاطئة .
بين الوعي واللاوعي.
لكن
الأخذ بفرضية اللاشعور إلى جانب الشعور ليس معناه جعله أساسا للحياة النفسية ومركز
الثقل فيها، لأن الإنسان يعيش مساحة الوعي وليس اللاوعي الذي يبقى حالات شاذة،
طريقة علاجها تقتضي ردها إلى ساحة الوعي والشعور. كما أن التسليم بوجود اللاشعور
في النفس معناه الاعتراف بوجود صراع قائم داخل النفس الإنسانية و بالتالي
اللاتوازن والاستقرار في النفس. زيادة على أن فكرة اللاشعور ما هي إلا مجرد افتراض فلسفي
لم يرق إلى مستوى الحقيقة العلمية المؤكدة و بالتالي هل تفسير السلوك الإنسان
وأحداث نفسية مختلفة على مجرد افتراض لا يقين فيه؟ فهذا أمر يدعو إلى رفضه والحذر
منه .
إن
أصحاب الفلسفة الذاتية من “ديكارت” إلى
“كانط ” يجعلون من الشعور قوام
الحياة النفسية، وأن الوعي يدرك جميع نشاطات النفس وأفعالها ومن هذا الأساس رفضوا
القول بأي وجود للاشعور. فقد اعترض “ديكارت” على أي دور للاشعور واعتبره
مجرد حادثة فيزيولوجية عضوية، لأنه من التناقض القول بوجود حوادث نفسية لا نشعر
بها مع وجود النفس القائم على الوعي. وقد عمق علم النفس التقليدي و بالخصوص
“برغسون” من هذه الفكرة المعارضة الوجود اللاشعور، لأن ما هو نفسي يرادف
ما هو شعوري بالضرورة، فالحياة النفسية معادلة للحياة الشعورية، وأي انعدام للشعور
هو انعدام للنفس ووجودها. ويؤكد هؤلاء أن القول بوجود اللاشعور معناه الاعتراف
بوجود صراع قائم داخل النفس الإنسانية، وبالتالي انعدام الاستقرار والتوازن
النفسي. كما أن اللاشعور يفسد الحياة الشعورية من حيث أنه مجرد تجاهل للأفكار
والحقائق، لأن الحاجات المكبوتة هي تحت شعورية يخفيها الإنسان عن قصد خوفا من رؤية
الحقيقة وهروبا منها، وهذا ما يسيء لإرادة الذات وقدرتها على التأقلم والتكيف
الإيجابي مع الأحداث، ومواجهتها وليس الهروب منها. إضافة إلى أن ربط اللاشعور
بالمكبوتات والغرائز والرغبات وربط الدوافع السلوكية وتفسيراها بهما، قد يكون باب
لعدم الاعتراف بالأخلاق وضوابطها، وذريعة تعلق عليها الذات إخفاقاتها وقد يصل
الحال إلى المطالبة بعدم تحميل المسؤولية والتنصل من الجزاء والعقاب بحجة الدوافع
اللاشعورية.
لهذا فالاعتراف باللاشعور يعيق عمل الشعور ويفسد فهم الحياة النفسية ومن ثمة فهو
مرفوض من حيث الأساس ومن حيث الوظيفة. *
: لكن القول بعدم وجود اللاشعور وإساءته لعمل الشعور في فهم الحياة النفسية يجعل
جزء من سلوك الإنسان غامضا و مجهول الأسباب، لأننا لا نستطيع أن نتأكد من أن
حياتنا النفسية معروفة معرفة كلية. كما أن الكثير من الوقائع النفسية والسلوكية
تظهر وجود مناطق ظل وغموض وعدم قدرة على تفسير كثير من الأفعال التي نقوم بها،
وهذا ما يجعلنا نشك في مقدرة الوعي والشعور على الإحاطة بحياتنا النفسية وتعطي
مجالا لاحتمال وجود اللاشعور للتعبير عنها.

سعاد الحجي
الملف المهني
المؤهلات العلمية
— جامعة الشارقة (University of Sharjah)
2018
الخبرات والاهتمامات البحثية
- ◆التدوين الفلسفي: بدأت مسيرة التدوين في الفلسفة منذ عام 2016 حتى الوقت الحاضر.
- ◆مدونة “المعرفة الشاملة في الفلسفة”: كاتبة مقالات فلسفية حصرية.
- ◆الأثر الأكاديمي: اعتماد عدد من المقالات الفلسفية المنشورة في مذكرات التخرج والمناهج الدراسية، مما يعكس القيمة العلمية والتربوية للإنتاج الفكري.
المجالات ذات الاهتمام
اللغة العربية وآدابها
الكتابة والتدوين المعرفي
البحث الأكاديمي والتأليف


